علي بن موسى الغرناطي الأندلسي
124
المغرب في حلي المغرب
باقيه ذخيرة . وقد تقدمت أبياته في البنيان مما أنشده الشقندي والحجاري ، وله حكايات دينية ودنياوية ، فأملح ما وقفت عليه من حكاياته الدينية ما حكاه الحجاري ؛ من أنه حضر يوم جمعة في جامع الزهراء فلما خطب منذر بن سعيد قال في خطبته : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [ الشعراء : 128 ] ، فتحرّك الناس لذلك ، وعلم الناصر أنه عرّض به ، فلما فرغ قال لابنه المستنصر فيما جرى عليه منه ، ثم قال : لكن عليّ اللّه يمين ألّا أصلّي خلفه ما عشت فلما جاءت الجمعة الثانية قال لابنه : كيف نصنع في اليمين ؟ قال يؤمر بالتأخّر ، ويستخلف غيره ، فاغتاظ الناصر وقال : أبمثل هذا الرأي الفائل تشير عليّ ؟ ! واللّه لقد ندمت على ما فرط مني في اليمين ، وإني لأستحي أن أجعل بيني وبين اللّه غير منذر ، ثم رأى أن يصلّي في جامع قرطبة فواصل ذلك بقية مدته . وكان له جلساء ووزراء عظماء يأتي منهم تراجم بعد هذا . وأعظم من استعان به في الحروب ابن عمه سعيد بن المنذر بن معاوية بن أبان بن يحيى بن عبيد اللّه بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ، وهو الذي تولّى حرب ابن حفصون كبير المنافقين ، وافتتح قلعته . وكان ممدّحا ، جوادا سعيد الحياة ، فقيد الممات ، وحضر ليلة عنده وزيره ومولاه أبو عثمان بن إدريس ، فغنّت جارية : أحبّكم ما عشت في القرب والنّوى * وأذكركم في حالة الوصل والصّدّ على أنكم لا تشتهون زيارتي * قريبا ولا ذكراي في فترة البعد واستجاز وزيره ، فقال : الابتداء لأمير المؤمنين ، فقال : وأنتم جعلتم مهجتي مسكن الجوى * وأنتم جعلتم مقلتي مسكن السّهد ثم قال الوزير : ومالي عنكم أو عدلتم * على كل حال فاعلموا ذاك من بدّ وكانت علامة سكره وأمر ندماته القيام أن يميل برأسه إلى حجره ، وربما أنشد : ما زلت أشربها واللّيل معتكر * حتى أكبّ الكرى رأسي على قدحي وكان على حسن خلقه وحلمه ربما حدثت له على المنادمة وسوسة كدّرت ما يعتاد منه . ولما كثرت قطع المنادمة ، ثم تزهّد . ومن قبيح ما يؤثر عنه حكايته مع الجارية التي كانت عنده بمنزلة حبابة « 1 » من يزيد : سكر ليلة ، فأكثر من تقبيلها ، فأكثرت الضجر والترم ، وقبضت وجهها ، فأمر ألّا يزال وجهها يلثم بألسنة الشّمع ، وهي تستغيث ، فلا يرحمها ، حتى هلكت .
--> ( 1 ) انظر ترجمتها في الأغاني ( ج 13 ) .